الناقد أحمد فرحات يكتب: تمرد

الناقد أحمد فرحات
ظلت المرأة العربية حبيسة خيمتها عمرا طويلا، حتى اتهم الغذامي المجتمع العربي بأنه مجتمع ذكوري، يهمش المرأة. وعندما تحررت من سطوة الرجل انفجرت تفاجئك بروين حبيب بصورة آسرة لمحبوب سارق الأسى من حديقة فارسية، صورة تتكئ على الأساطير القديمة التي كانت تعتقد في أسطورة العقيق الأحمر، والحدائق الفارسية، وأعمدة النار؛ ففي الديانة اليهودية العقيق رمز الروح الإلهية، ويعتقدون أن له القدرة على تحقيق الاستقرار العاطفي والوقاية من الاكتئاب، وفي الشرق الأول هناك اعتقاد أن العقيق الأحمر يكون تأثيره أكبر إذا كان مستخرجا من اليمن والعراق وفي الحضارة العربية عرف العقيق الأحمر قديمًا بقدرته على الحماية من لدغات العقارب في الصحراء وكذلك الثعابين والحشرات، ويحمي الإنسان من شرور الصواعق والحظ السيء. كما يقول “الباحث الأثري د. حسين دقيل، المتخصص في الآثار اليونانية والرومانية. فتقول في قصيدة “سرير يتيم”:
أنت سارق الأسى من حديقة فارسية/ أنت قرار الوتر النازف ساعة العاصفة/ أنت دم العقيق ونهايات الروح/ وأنا على مرمى جبهتك العصية/ أعمدة النار العارية/ هائمة في انطفاء الجسد/مقبلة/ في بوحك السري/ أتمدد فيها بتناوب كسير/ خيط نور في وجهك المتلفت/ أحبك، وأترك الشاي يتيما عند الأريكة الزرقاء/ أحملك وأفتح نهار العابرين.
تعتمد بروين حبيب على ترصيف الكلمات وتنضيد الجمل واصطفاف البنيات اللفظية عبر حمل متوالية لها نسق بنائي واحد تقريبا، تبدأ بجمل اسمية تؤكد من خلالها على حالة استاتيكية ساكنة شكلا، ومتفجرة مضمونا، ترسم من خلالها صورة أسطورية لمحبوب خيالي، له قدرة عجيبة على محو آثار الحزن من الجبين المُعَنّى، يتمدد في وجهه خيط نور قادر على تعديل مسارب الوجه المتعب، والتعبير عنه بالضمير (أنت) ثلاث مرات عبر متوالية تعبيرية لصيغ متوازنة متوازية إشارة إلى حضوره وغيابه في آن واحد، ويأتي التعبير بضمير المتكلم(أنا) في إشارة للحضور الأنثوي كسارد عليم في هيئة التفات بلاغي مجدول، ولعلها ترمز بهذا التكثيف البلاغي الطاغي إلى توجيه خطاب أنثوي إلى مجتمع ذكوري طاغ في العنف واضطهاد للمرأة.
تعترف سوسن دهنيم بأن المحبوب هو من أشعل نار الخطيئة في صدرها، لكنها تستعذب نيرانه، وتكتفي عند الإشارة إليه بضمير المخاطب(أنت) معتمدة على صيغ قصيرة متشابهة ، متقاربة، متوازنة، تفجر من خلالها طاقة إبداعية حرّى في جرأة وإقدام، وفي كل جملة دفقة شعرية مدوية، تكرس خلالها دلالات معنوية ومادية لصورة المحبوب، فهو نار الخطيئة، موج الحقيقة، جسر الليل، سيد النخيل، حطام المطر، غابة اللذة، نهر الرمال، فصل الموت، صلاة الوهم، فضاء العشق، أسطورة الذئب، خرير السراب، سر الأحجار..
أنت نار الخطيئة تدفئ صدري/ موج الحقيقة تعبر جسدي/ جسر الليل تكسر صوتي/ سيد النخيل تسبح باسمي/ حطام المطر تبلل سمائي/ غابة اللذة ترتمي فوقي/ نهر الرمال تسكن قلبي/ صلاة الوهم تركع خلفي/ فضاء العشق تجثو أمامي/ أسطورة الذئب تتوسل لي/ خرير السراب تراود صمتي/ سر الأحجار تقرأ وجهي.
ويلاحظ على صورة المحبوب عند شواعر البحرين اقترابها من لغة الأساطير؛ فالرجل الأسطوري لديهن صورة مكررة عند كثير من شواعر البحرين، صورة متخيلة في شعرهن، ترتقي إلى وصف خيالي لا واقعي ملموس، كما أن صورته أيضا تكاد تصل إلى درجة الاكتمال، والفتوة، والقوة، واللذة، والعشق. وهي صورة متخيلة ليس لها من الواقع شيء، كما تبدو المرأة الشاعرة ذات أنا متضخمة، فهن ملكات ولسن من البشر. بيد أنهن يبحن لسلطان الشعر بما شاءت لهن الأسرار. ويغلب على صورة المحبوب عند شواعر البحرين إضفاء لمسة حزينة، تتجلى في فقدهن إياه غالبا، فتشيع لمسة الحزن والألم والموت. وفي شعرهن عموما جرأة وتجاوز في حق الذات الإلهية ربما يَلْقَين بسببها قلقا اجتماعيا أو ثقافيا، ولاسيما تجاوزهن في شعر وصف المحبوب بطريقة لا تليق، وكان يجب أن ينتبهن إليه مخافة الوقوع في ضيق الوعي من ذلك مثلا.. لا أعمدة لنا وأعمدة السماء لا تسندنا.. صلاة الوهم تركع خلفي .. لا العمر يرهبنيولا وهم الخلود.. وهناك أمثلة كثيرة تصلح للمثيل.